إن العلم الشرعي هو ميراث النبوة، والعلماء هم ورثة الأنبياء، فبقدر حظ الإنسان من العلم الشرعي يكون حظه من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان طلب العلم من أفضل القربات، وأجلِّ الطاعات، وينبغي على طالب العلم أن يتحلى بالآداب اللائقة بطلب العلم، ومن أهم آداب طالب العلم مع العلماء:
1- أن يوقر العلماء الربانين، ويجلّهم، ويظهر محاسنهم، ويغضّ عن مساوئهم، ويدعو لهم.
2- أن يُحسن الظن بهم، ولا يطعن فيهم لاجتهادٍ اجتهدوه يبتغون به أجر الله تعالى، فالمصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد، بل يدعو الله أن يجزيهم خيرًا عما أصابوا فيه، ويغفر لهم ما قصروا فيه.
3- أن يجتهد ويتحرى في اختيار أصحاب الديانة والتقوى والورع من العلماء، يقول ابن سيرين وغيره: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم)([8])، وقال الخطيب البغدادي: (ينبغي للمتعلم أن يقصد من الفقهاء من اشتهر بالديانة، وعُرف بالستر والصيانة)([9]).
4- التواضع لهم وإجلالهم، وتقديرهم؛ لما ثبت عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس من أمتي من لم يجلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه)([10]).
5- ملازمتهم للاستفادة من هديهم وسمتهم؛ ليَكُون مُقْتَدِيًا بِهِمْ فِي أَخْلَاقِهِمْ، مُتَشَبِّهًا بِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ؛ لينشأ عليها، ويجتنب ما يخالفها، والنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ)([11]).
6- التأدب في الجلوس بين يدي شيخه، وحسن الإصغاء إليه، وأن لا يتشاغل عن ذلك بشيء؛ لأن الله يقول: {مَّا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب: 4].
7- الصبر على ما قد يصدر عن شيخه من جفوة وشدة في بعض الأحيان، والتماس العذر له.
8- التلطف في السؤال عما أشكل عليه، فإنما شفاء العي السؤال، وأدب السائل من أنجع الوسائل، فإن سكت شيخه عن الجواب لم يلحف عليه في المسألة، وإن أخطأ تلطف في المراجعة، فقد قيل لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: بِمَ نِلْت هَذَا الْعِلْمَ؟ قَالَ: بِلِسَانٍ سَئولٍ، وَقَلْبٍ عقُولٍ([12]).
9- لا يعتقد طالب العلم في شيخه العصمة: إن العلم لا يؤخذ ابتداءً من الكتب، بل لابد من شيخ تتقن عليه مفاتيح الطلب، لتأمن من الزلل، فعليك إذًا بالأدب معه، فإن ذلك عنوان الفلاح والنجاح، والتحصيل والتوفيق، فليكن شيخك محل إجلال منك، وإكرام وتقدير وتلطف، فخذ بمجامع الأدب مع شيخك في جلوسك معه، والتحدث إليه، وحسن السؤال والاستماع، وحسن الأدب في تصفح الكتاب أمامه، وترك التطاول والمماراة أمامه، وعدم التقدم عليه بكلام أو مسير أو إكثار الكلام عنده، أو مداخلته في حديثه ودرسه بكلام منك، أو الإلحاح عليه في جواب، متجنبًا الإكثار من السؤال لا سيما مع شهود الملأ؛ فإن هذا يوجب لك الغرور وله الملل، ولا تناديه باسمه مجردًا، أو مع لقبه بل قل: (يا شيخي، أو يا شيخنا).
وإذا بدا لك خطأ من الشيخ، أو وهم فلا يسقطه ذلك من عينك، فإنه سبب لحرمانك من علمه، ومن ذا الذي ينجو من الخطأ سالمًا([13]).
10- لا عصمة لأحد بعد رسول الله، وكل بني آدم خطاء: إن الشيخ وإن كان على أكمل الحالات فليس بمعصوم، إذ قد تصدر منه الهفوات والزلات، ولكن العالم الرباني لا يصرّ على هذه الزلات ولا تتعلق همته أبدًا بغير الله تعالى، وإذا اعتقد طالب العلم في شيخه العصمة، ثم رأى منه ما يخالف ذلك، وقع في الاعتراض والاضطراب مما يسبب الحيرة.
والمنهج المستقيم أن كل من كان من أهل العلم والفضل، وظهرت عنده أخطاء أو بدع لم يُتْرَك أو يُبَدَّع، بل ينبغي أن يبيّن له خطؤه، ومع ذلك لا يُقدَح في مكانته، بل يُبحث له عن عذر فيما قال.
قال الإمام الذهبي رحمه الله في سير أعلام النبلاء: (ثم إن الكبير من العلماء إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه؛ يُغفر له زَلَلُه، ولا نُضَلِّله، ولا نطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك)([14])، وانظر إلى إنصاف هذا الإمام للعلماء، فإنّه ينوّه بأنّه إذا ظهر منهم خطأ، فإنهم لا يُتركون بالكلية، ولا يُشنّع بهم، بل يجب احترامهم وتقديرهم مع اجتناب الخطأ الذي وقعوا فيه.
وليحذر طالب العلم أن يضع بين عينيه دائمًا احتمال خطأ شيخه في كل أمر من أوامره أو توجيه من توجيهاته، لأنه بذلك يمنع عن نفسه الاستفادة، كمثل المريض الذي يدخل إلى طبيبه وليس في قلبه إلا فكرة احتمال خطأ الطبيب في معالجته، فهذا من شأنه أن يُضعف الثقة ويُحدثَ الشكَّ والاضطراب في نفسه.